السيد كمال الحيدري

89

شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي)

الأمرَ لم يتعلّقْ بذاتِ الفعل ، فلا يمكنُ للمكلّفِ أن يقصدَ الامتثالَ بذاتِ الفعل . وإن شئتَ قلتَ : إنّ قصدَ امتثالِ الأمرِ بفعلٍ يتوقّفُ على أن يكونَ مصداقاً لمتعلّقِ الأمر . وكونُه كذلك - على فرضِ أخذِ القصدِ في المتعلّق - يتوقّفُ على انضمامِ القصدِ المذكورِ إليه ، وهذا يؤدّي إلى توقّفِ الشيءِ على نفسِه ، واستحالةِ الامتثال . وقد أجيبُ على ذلك : بأنّ القصدَ إذا كان داخلًا في المتعلّقِ ، انحلّ الأمرُ إلى أمرينِ ضمنيّين ، لكلٍّ منهما محرّكيّةٌ نحوَ متعلّقِه ، أحدُهما : الأمرُ بذاتِ الفعل ، والآخرُ : الأمرُ بقصدِ امتثالِ الأمرِ الأوّلِ وجعلُه محرّكاً . فيندفعُ البيانُ الأوّلُ في البرهانِ المذكورِ : بأنّ الأمرَ الثانيَ يحرّكُ نحوَ محرّكيّةِ الأمرِ الأوّل ، لا نحوَ محرّكيّةِ نفسِه . ويندفعُ البيانُ الثاني بأنّ ذاتَ الفعلِ متعلّقٌ للأمرِ ، وهو الأمرُ الضمنيُّ الأوّل . الثالثُ : أنّ قصدَ امتثالِ الأمرِ إذا أُخذَ في متعلّقِ الأمرِ كانَ نفسُ الأمرِ قيداً من قيودِ الواجب ، وحيث إنّه قيدٌ غيرُ اختياريٍّ ، فلابدَّ من أخذِه في موضوعِ الوجوب ، وهذا يعني : أخذَ الأمرِ في موضوعِ نفسِه ، وهو محال ، وقد مرَّ بنا هذا البرهانُ في الحلقةِ السابقة . وقد يُعترضُ عليه : بأنّ القيدَ غيرَ الاختياريّ للواجبِ إنّما يلزمُ أن يؤخذَ قيداً في موضوعِ الوجوب ؛ لأنّه لو لم يُؤخذْ كذلك ، لكانَ الأمرُ محرّكاً نحوَ المقيّد ، وهو يساوقُ التحريكَ نحوَ القيد ، مع أنّه غيرُ اختياريّ ، فلابدّ من أخذِه في الموضوع ، ليكونَ وجودُ الأمرِ ومحرّكيتُه ، بعدَ افتراضِ وجودِ القيد . وفي هذه الحالةِ لا يحرّكُ إلّا إلى التقيّدِ وذاتِ المقيّد .